عمّار بن ياسر اشتاقت له الجنة

عمّار بن ياسر اشتاقت له الجنة

عندما بُعث النبي محمد ﷺ بالقرآن مبشراً ونذيراً، أضرم ذلك الغضب في نفوس أسياد قريش وتربصوا لمحمد واتهموه بالجنون، إلا أنهم لم يتجرؤوا على أذيته نظرًا لأنه كان يحتمي بعمّه أبي طالب المعروف بالحصانة والمنعة بينهم، فما كان منه إلا دعوة الناس للإسلام سرّاً. 

كانت قريشاً تغطّ في نوم عميق ولم يصل إلى مسامعها بعد خبر البيت الذي آن الأوان ليشيع فيه الحقّ بعد طول ضلال ويذكر فيه اسم الله بكرة وأصيلاً، إنه بيت عمّار بن ياسر الصحابي المبشر بالجنة، فمن هو عمّار بن ياسر وما هو الإرث الذي تركه حتى استحقّ الجنة؟ 

عمّار بن ياسر حياته و إسلامه

هو عمّار بن ياسر العنسي القحطاني، شاب طويل عريض المنكبين، أشهل العينين، نجل أبويه ياسر بن عامر و سمية بنت خياط رضي الله عنهما. 

كان عمّار وأبواه من السبّاقين إلى الإسلام كشأن سائر الأبرار المبكرين في اتباع دين محمد ﷺ، فأسلموا وحسُن إسلامهم، وعندما انتبهت قريش لالتحاق آل ياسر بركب الإسلام أخذت تعِدهم بالهلاك، فأذاقتهم من الإهانة ألواناً وفنوناً، و استفردت بتعذيبهم باعتبارهم مستضعفين مكّة وفقرائها، فأمر أبو جهل بصلبهم تحت شمس الصحراء الملتهبة عراةً، وتنفيذ أقسى أنواع العذاب من الجَلد، الحرق، التجويع والخنق بطمس رؤوسهم تحت الماء؛ آملين بذلك دفن الإسلام وحجب نوره عن الناس فما كان من آل ياسر إلا أن صبروا واحتسبوا أجرهم عند الله و أصروا على دينهم، ولم يرضخوا لقريش. 

 

عندما علم النبي ﷺ بمُصاب آل ياسر اعتصرَ قلبه ألماً وأخذ يدعو الله لهم؛ فليس له كلمة ولا مَنّاً على قريش، وذات يوم، مرّ ﷺ على آل ياسر خفيةً في مكان تعذيبهم وبدأ يحثّهم على الصبر على أذى الكفار قائلاً: "صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة"، فكانت كلماته كالبلسم لجراحهم، وتسكيناً لآلامهم.

لم يستطع أبا عمّار وأمّه الصّمود على التّعذيب أكثر، فماتوا شهداء في سبيل الله؛ لتفوز سميّة أم عمّار بلقب أوّل شهيدة في الإسلام. 

 

كانت معاناة عمّار تشتدّ يوماً بعد يوم بلا كلل ولا ملل، فتجرّع عذاباً مهيناً مزّق جسده الطاهر، وعندما أحرقوه بالنار جاء النبي ﷺ إليه فمرّر يده على رأسه وقال: "يا نار كوني برداً وسلاماً على عمّار كما كنت على إبراهيم ".

توالت على عمّار أشكال العذاب حتى فقد وعيه وأخذ يردد كلاماً في غير شعور، فلم يعتقوه المشركين حتى نال من رسول الله وذكر آلهتهم بخير؛ فأتى النبي محمد ﷺ وفي قلبه غصّة وألماً لفعله ذلك، فطمأنه النبي ﷺ وجعل يمسح دموعه بيده ثم قال له: " أخذك الكفار، فغطوك في الماء، فقلت: كذا..  وكذا..  ؟؟" أجاب عمّار وهو ينتحب: نعم يا رسول اللّه.. فقال له رسول الله ﷺ وهو يبتسم: " إن عادوا فقل لهم مثل قولك هذا " وقرأ عليه الآيات من سورة النحل: "من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أُكرِهَ وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ عظيم"، فانفرجت أسارير عمّار وثبت قلبه على الإيمان، كيف لا وقد أنزل الله تعالى حكماً في شأنه من فوق سبع سماوات رحمة ورأفة به. 

 

عمّار بن ياسر مع النبي

لزم عمّار بن ياسر جوار الرسول محمد ﷺ و خاض معه كل غزواته وهاجر معه حيث هاجر، وجاهد في سبيل الله بنفسه و ماله، فشهد بدراً وأُحداً والخندق وتبوك وبيعة الرضوان، و بنى مسجد قباء أول مسجد في الإسلام، ها هو عمّار بن ياسر الذي صبر كثيراً فأكرمه الله أكثر إذ كان كافراً فأسلم، وكان من موالي بني مخزوم، فأصبح مولاه هو الله عز وجلّ، و كان وحيداً فآخى بينه وبين حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما. 

 

أفنى عمّار بن ياسر عمره في خدمة دينه والجهاد لإعلاء كلمة الحق، حتى أحبه النبي ﷺ حباً عظيماً فكان إذا سمع ﷺ صوته يقترب من منزله قال: " مرحباً بالطيّب المطيَّب، ائذنوا له"، وكان ﷺ يفتخر بإيمانه قائلاً لأصحابه: " إنّ عمّاراً مُلِئ إيماناً إلى مشاشه" أي إلى لبّ عظامه. 

 

وعندما انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى حمل عمّار دعوة الإسلام على عاتقه ولم يتكاسل يوماً عن أداء واجبه تجاهها، ففي يوم اليمامة قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: " رأيت عمّار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين.. أمِن الجنة تفرّون..؟ أنا عمّار بن ياسر، هلمّوا إليّ.. فنظرت إليه، فإذا أُذُنه مقطوعة تتأرجح، وهو يقاتل أشدّ القتال"، فأيُّ شجاعة تلك وأيّ فداءً ذاك. 

استشهاد عمّار بن ياسر

بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان انفتحت أمام المسلمين أبواب الفتنة، فقام معاوية ينازع الخليفة عليّاً كرم الله وجهه في الخلافة، وانقسم الناس إلى منحاز لمعاوية و ناصر لعليّ و منهم من نفض يديه من الخلاف تجنباً للفتنة، فما هو موقف الجليل عمّار بن ياسر الذي قال عنه الرسول محمد ﷺ: "اهتدوا بهدي عمّار" ، " من عادى عمّاراً فقد عادى الله" ؟

لقد اختار نصرة علي بن أبي طالب رافعاً بذلك صوت الحق وحافظاً للعهد، فقد أخذ عليٌّ الخلافة وهو أهل لها. 

و جاء اليوم الموعود و خرج الإمام علي يواجه المتمردين على الحق من صفوف المؤيدين لمعاوية الذين أرادوا الفتنة و اتّباع أهوائهم، فخرج معه عمّار بن ياسر وقد بلغ من العمر يومئذ ثلاثاً وتسعين، وحمل سيفه وصاح في الناس قائلاً : " والذي نفسي بيده، لو هزمونا حتى يبلغوا سَعَفات هجر، لعلمتُ أننا على الحق، وأنهم على الباطل"، وشعر عمّار بدنوّ أجله وبنبوءة الرسول ﷺ تتحقق أمام عينيه فقد قال ﷺ يوماً: " تقتل عمّاراً الفئة الباغية".

حاول رجال معاوية تجنب عمّاراً ما استطاعوا حتى لا تصيبه سيوفهم فيتبيّن للناس أنهم هم الفئة الباغية، لكن سيوفهم عصت أمرهم و أصابت عمّاراً حتى تمكّنت منه، نعم فهذه هي الفئة الظالمة التي أرادت في الأرض فساداً، فتسرّب الشكّ إلى نفوس فريق معاوية وصدّقوا نبوءة النبي ﷺ ثم انضم أكثرهم لصفوف عليّ كرم الله وجهه.

حمل علياً جسد عمّار بن ياسر الطاهر ودفنه في ثيابه، ذلك البطل الذي ظل يردد يوم قتله: " اليوم ألقى الأحبة محمداً وصحبه" وكأنه على موعد مسبق معهم. 

وأخذ المسلمون يتذكرون حديث النبي ﷺ بالمدينة حين قال: " اشتاقت الجنة لعمّار"، بالطبع فقد كان سباقاً لطاعة الله عز وجلّ فنال شرف البشارة بالجنة، وصحبة النبي ﷺ في الدارين. 

 

وفي الختام، لن ينال بشرٌ الجنة إلا على جسر من المشقة والتضحية، وعلى قدر خضوعه وامتثاله لأوامر الله عز وجل تكون رفعته في الآخرة؛ فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، بلى؛ إنّما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

أعجبك المقال , قم بالان بالاشتراك في النشرة البريدية للتوصل بالمزيد

    التعليقات

    عن الناشر

    مقالات حالية