سعد بن معاذ اهتزّ عرش الرحمن لموته

سعد بن معاذ اهتزّ عرش الرحمن لموته

في زمن غرق به الناس في ظلام عبادة الأوثان لسنين طويلة، وفي أرض جرداء تسمى يثرب عُرف سكانها بالصلابة والكرم، علاوة على تقديس معتقدات آبائهم وأجدادهم؛ لمع اسم سيد قبيلة الأوس وزعيمهم: سعد بن معاذ الفارس الصنديد ذو العقل الراجح الذي أصبح شعلة أنارت قلوب رجال ونساء يثرب كلهم بعد ما ألبسه الله ثوب الإيمان، وصار أحد أبرز أصحاب الرسول محمد ﷺ. 

شاء الله اعتناق سعد بن معاذ دين الإسلام وهو ابن الواحد والثلاثين ربيعاً، و نال شرف الشهادة عند السابعة والثلاثين، أمضى سعد رضي الله عنه ست سنوات في رحاب الإسلام ساعياً ومجاهداً لإعلاء كلمة الله والدفاع عن حبيبه النبي ﷺ وفدائه بروحه و دمه، كما استطاع من خلال عدة مواقف أن يملأ قلب النبي محمد ﷺ حباً و غبطة له. فمن هو هذا الصحابي الملقب ب أبي عمرو؟ 

 

سعد بن معاذ إسلامه و حياته

هو سعد بن معاذ بن النعمان، بن عبد الأشهل، من قبيلة الأوس، شاب وسيم جليل فارع الطول، أضاء الله قلبه للإسلام على يد الصحابي مصعب بن عمير الذي أرسله النبي محمد ﷺ سفيراً لنشر التوحيد و دعوة الناس للدخول في الإسلام. 

عندما وفد مصعب من مكة إلى بني الأشهل هبّ سعد بن معاذ ليدفعه خارج مدينته غيرةً منه على قبيلته من ذلك الرجل الغريب، لكنّ ابن عمير رضي الله عنه استطاع بفضل كلماته اللينة وحسن خلقه أن يمتص غضب سعد و يجذب سمعه لما جاء به من الحق، فلم يكد سعد أن يأخذ مكاناً له بين الجالسين في حضرة السفير مصعب حتى انتعش فؤاده بنفحات حديثه العطرة، و ما إن ألقى سمعه لآيات الله حتى كان نور الإيمان يضيء قلبه و روحه، ومن غير تردد بسط سعد يمينه مبايعاً رسول الله ﷺ. 

أشرقت في المدينة شمس جديدة بدخول سعد بن معاذ الإسلام وفتح الله على يديه فتحاً عظيماً، إذ تولى مسؤولية نشر الإسلام بين قومه فكان خير داعية وأعظم زعيم، قيل فيه: " فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا أسملوا ".

أخذ سعد و قومه ( الذين لقبوا بالأنصار لأنهم نصروا الله و رسوله) بتجهيز المدينة لتكون ملاذاً للمسلمين وعاصمتهم و مقر دعوتهم؛ كما برز صدقهم و ولائهم عندما هاجر رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة المنورة (يثرب سابقاً)، إذ همّ بنو الأشهل بفتح أبوابهم للمهاجرين المؤمنين وأسكنوهم ديارهم ووضعوا أموالهم كلها تحت تصرفهم في غير منٍّ ولا أذى. 

 

موقف سعد بن معاذ في غزوة بدر 

اجتمع الرسول ﷺ وأصحابه يوم بدرٍ لقتال قريش واسترداد شيئاً من أموالهم التي تركوها في مكة، وعندما وصلوا إلى موقع المعركة، تريّث عليه السلام وتردد لمّا رأى أعداد المشركين التي تفوقهم بمراحل، فتشاور مع أصحابه من المهاجرين والأنصار، إما المضيّ قدُماً وإما الانسحاب، فنهض سعد بن معاذ كالجبل الشامخ وقال:

«يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا.. فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك…. والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً؛ إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله». أثلجت كلمات سعد صدر النبي ﷺ و أراحت فؤاده، فهمّ متوكلاً على الله وقال للمسلمين: " سيروا وأبشروا، فإنّ الله وعدني إحدى الطائفتين… والله.. لكأني أنظر إلى مصارع القوم"، فخاضوا الغزوة وانتصروا بإذن الله. 

 

موقف سعد بن معاذ يوم أُحد

في يوم هو الأصعب في حياة النبي ﷺ، بسبب تحول النصر العظيم لهزيمة كبيرة وتزعزع صفوف المسلمين، لاسيما بعد انتشار خبر مقتل الرسول محمد ﷺ، سمّر سعدٌ قدميه في الأرض، وكان أحد القلة القليلة الذين أبَو إلا أن يكونوا في ظهر رسول الله ﷺ يدافع عنه ويقاتل باستبسال في موقف امتلأ بالصدق والفدائية. 

حكم سعد بن معاذ في بني غطفان يوم الخندق

أسرّ يهود بني قريظة العداوة والبغضاء للنبي ﷺ وكادوا له كيداً عظيماً، فخرقوا العهود والمواثيق وأخذوا يحرضون قريشاً لقتال الرسول ﷺ، وعقدوا اتفاقاً مع "غطفان" حلفاء سعد بن معاذ السابقين لمحاربة النبي ﷺ، فحاصروا المسلمين حصاراً صارماً واجتمعوا على إبادتهم.

عزّ ذلك على النبي ﷺ وفكر في التفاوض مع زعماء غطفان لتضعف قوة المشركين، فعرض عليهم لقاء ذلك ثلث ثمار المدينة، وكان لابد من التشاور مع أصحابه المؤمنين في هذا الأمر، فقال له سعد رضي الله عنه: " يارسول الله.. أهذا رأي تختاره، أم وحي أمرك الله به؟ " قال الرسول ﷺ: " بل أمر أختاره لكم.. والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب؛ فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما" فأجابه سعد قائلاً:

"يا رسول الله .. قد كنا نحن وهؤلاء على الشرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من مدينتنا تمرة، إلا قرى _أي كرماً و ضيافة_ أو بيعاً..

أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟؟ … والله لا نعطيهم إلا السيف.. حتى يحكم الله بيننا و بينهم.. ".

سقت كلمات سعد قلب النبي ﷺ طمأنينةً، وأعجب برأيه السديد فعدل عن رأيه وفضّ مشروع المفاوضة، وقال ﷺ لسعد: "لقد حكمتَ فيهم بحكمِ اللهِ عزّ وجلّ"، و بهذا نال سعد شرف تنفيذ حكم الله على لسانه بفضل حنكته ورجاحة عقله. 

 

استشهاد سعد بن معاذ متأثراً بجراحه

خرج سعد مع المسلمين حاملاً سيفه للقتال في غزوة الخندق، فقذفه أحد المشركين بسهم فأصاب أُكحله؛ وهو شريان في اليد، فتفجر الدم منه ونقل سعد إلى المسجد ليتلقى علاجه. 

وكاد جرح سعد يبرأ لولا أن سعداً ألحّ في طلب الشهادة من ربه قائلاً: " اللهمّ إن كنت أبقيتَ من حرب قريشٍ شيئاً فأبقني لها، فإنّ لا قوم أحبّ إليّ أن أجاهدهم من قوم آذَوا رسولك، وكذّبوه، وأخرجوه… وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعل ما أصابني اليوم طريقاً للشهادة.. ولا تُمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة"، فاستجاب له ربه ولم يمُت حتى شُفي صدره من بني قريظة. 

عندما ذهب النبي ﷺ لزيارة سعد في مرضه، وضع رأسه في حجره الشريف وابتهل إلى الله:

"اللهم إن سعداً قد جاهد في سبيلك، وصدّق رسولك و قضى الذي عليه، فتقبل روحه بخير ما تقبلتَ به روحاً".

ملأت كلمات النبي ﷺ روح سعد سكينةً وسلاماً، وأخذ سعداً يحاول في جهد فتح عينيه راجياً أن يكون وجه رسول الله آخر ما تبصرانه في الحياة. 

استشهد سعد بن معاذ متأثراً بجراحه فأوقع ذلك في قلوب المسلمين حزنا عظيماً، فهذا أبو بكر يبكي، وتسمع عائشة رضي الله عنها نحيبَ عمر بن الخطاب، و تلك أم سعد ترثي ولدها في كلمات يملؤها الصبر فيصفها النبي ﷺ أنها الأصدق على الإطلاق. 

وفاض الدمع تارةً حزناً وتارة فرحاً عندما سمع المسلمون رسولهم الكريم وهو يقول: "لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ"، و كأن النبي ﷺ يقول أن الملأ الأعلى يستبشرون ويحتفون بالعبد الصالح سعد، لِما له من أعمال وسرائر هزت عرش الرحمن، كما أنبأتا الرسول ﷺ أن الملائكة قد شاركت في حمل نعش سعد رضي الله عنه، وقال النبي ﷺ في موقف آخر: "إن للقبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ". 

فاللهم اجعلنا ممن يُرفع مقامه ويكون قبره روضة من رياض الجنة ويفوز برحمة الله ورضوانه. 

 

روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه :

"وكنا كلما حفرنا طبقة من ترابٍ، شممنا ريح المسك.. حتى انتهينا إلى اللحد"، في موقف يُحسد عليه سعد، ويحثّ سائر المسلمين للسير على خطاه، وإبرام نيتهم خالصة لوجه الله عز وجل، راجين منه تقبّلها منهم كما تقبّل من سعد بن معاذ. 

 

ختاماً، الحمد لله الذي كتب لنا نيل شرف كتابة قصة الصحابيّ سعد بن معاذ لنقلها للمسلمين، وكما قال رسول الله ﷺ لسعد وهو يصارع سكرات الموت:

"هنيئاً لك أبا عمرو".

أعجبك المقال , قم بالان بالاشتراك في النشرة البريدية للتوصل بالمزيد

    التعليقات

    عن الناشر

    مقالات حالية